ابن حجة الحموي

184

خزانة الأدب وغاية الأرب

وندمان سقيت الراح صرفا * وستر الليل منسدل السجوف صفت وصفت زجاجتها عليها * كمعنى دق في ذهن لطيف والذي سارت له به الركبان في هذا الباب قوله فتمشت في مفاصلهم * كتمشي البرء في السقم انتهى ما أوردته من تشبيه المحسوس بالمعقول وتقرير صوابه وإيراد بديعه وغريبه وقد تقرر وتكرر أن تشبيه المحسوس بالمحسوس هو المقدم في باب التشبيه وعلى أسه شيد أصحاب البديعيات بيوتهم ولكن بيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته غير صالح للتجرد فإنه متعلق بالبيت المشتمل على ائتلاف اللفظ مع المعنى فتعين إيراد البيتين هنا لتظهر نتيجة التشبيه فبيت ائتلاف اللفظ مع المعنى في بديعيته قوله كأنما حلق السعدي منتثرا * على الثرى بين منقض ومنفصم وأتبعه بقوله في التشبيه حروف خط على طرس مقطعة * جاءت بها يد غمر غير مفتهم قلت الكمال لله كل من البيتين فيه نقص لافتقاره إلى الآخر ولو تجرد أحدهما عن أخيه ما حسن السكوت عليه ولا تمت به فائدة وكيف يصح التشبيه في بيت واحد وجل القصد به أن يكون بمجرده مثالا للنوع المذكور والمشبه في البيت الأول والمشبه به في البيت الثاني والذي أقوله إنني لم أر في البيت الأول المشتمل على ائتلاف اللفظ مع المعنى معنى ولا على بيت التشبيه الذي بعده للبلاغة بهجة لافتقاره إلى الأول والله أعلم ومن غرائب ما ينقل هنا أن العميان ما نظموا نوع التشبيه في بديعيتهم ونظموا رد العجز على الصدر وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله في مديح النبي وقيل للبدر تشبيه إليه نعم * نجم الثريا له كالنعل في القدم بيت الشيخ عز الدين هنا صالح للتجريد بخلاف بيت الشيخ صفي الدين إذ المراد به أن يكون بمجرده شاهدا على نوع التشبيه ولكن معناه مأخوذ من بيت الفاضل في قصيدته الطائية المشهورة والبيت المأخوذ منه هذا المعنى قوله منها أما الثريا فنعل تحت أخمصه * وكل قافية قالت لذلك طا من أين لعقادة الشيخ عز الدين أو لغيره أن يقول في الشطر الأول من بيت قافيته طائية أما الثريا فنعل تحت أخمصه ويقول في الشطر الثاني وكل قافية قالت لذلك طا انتهى وبيت بديعيتي جمعت فيه بين شرف المديح النبوي وشرف تشبيه القرآن إذ هو المقدم في هذا الباب على كل تشبيه فإنني قلت في البيت المشتمل على نوع التفريق البديعي قالوا هو البدر والتفريق يظهر لي * في ذاك نقص وهذا كامل الشيم ولم أزل أظهر في أفق البلاغة كماله إلى أن قلت في التشبيه والبدر في التم كالعرجون صار له * فقل لهم يتركوا تشبيه بدرهم التشبيه بالتلميح ثم إني قلت بعده في التلميح الذي ما يلمح في صفات النبي أحسن منه ورد شمس الضحى للقوم خاضعة * وما ليوشع تلميح بركبهم التلميح هو في الاصطلاح أن يشير ناظم هذا النوع في بيت أو قرينة سجع إلى قصة معلومة أو نكتة مشهورة أو بيت شعر حفظ لتواتره أو إلى مثل سائر يجريه في كلامه على جهة التمثيل وأحسنه وأبلغه ما حصل به زيادة في المعنى المقصود وسماه قوم التمليح بتقديم الميم كأن الناظم أتى في بيته بنكتة زادته ملاحة كقول ابن المعتز